عبد الملك الجويني

159

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإذا وضح هذا فلو اجتاح الثمارَ جَائحةٌ سماوية من صاعقة ، أو حرٍّ أو بَردٍ ، وما ضاهاها من العَاهاتِ ، فما يتلف من الثمارِ بسبب الجوائح أهي من ضمان البائع أم من ضمان المشتري ؟ المنصوص عليه في الجديد أنه من ضمان المشتري وهذا هو القياس ؛ فإنّ ما جَرى من التسليم إليه سَلّطَه على التَصرُّفات المفتقرة إلى كمالِ القبضِ ، فدل على حصول القبضِ كاملاً ، وهذا يتضمَّن احتسابَ التالف على المشتري . والقول الثاني - وهو المنصوص عليه في القديم - أن ما يتلف بالجوائح ، فهو من ضمان البائع ، فإن تلفت الثمارُ بجملتها ، انفسخ البيعُ ، وارتد الثمن إلى المشتري ، ولو تلف بعضُها ، انفسخ البيعُ فيه ، وخرج القولُ في الباقي على قَوْلَيْ تفريقِ الصفقةِ . وهذا القائل احتج بما رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع السنين " " وأمر بوضع الجوائح " ( 1 ) وقد عرض هذا الحديث على الشافعي فقال : هذا الحديث رواه سفيان بن عُيينةَ عن [ حُمَيْد ] ( 2 ) بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر بن عبد اللهِ مراراً ، ولم يذكر وضعَ الجوائح ، ثم روى وضعَ الجوائح ، وقال : " كان قبله كلامٌ [ فنسيتُه ] ( 3 ) ثم رأيت أَروي ما أذكر " ، قال الشافعي : فلعلَّ الكلامَ الذي كان ( 4 ) قبله شيء يدل على أن وضع الجوائح مستحبٌّ ، لا واجب . ثم قال الشافعي : لولا أن سفيان وهَّن الحديثَ الذي رواه لقُلتُ به ، وأراد بتوهينه إياه سكوتَه عن رواية وضع الجوائح أوّلاً ، ثم تردُّدُه في كلامٍ كان قبل وضعِ الجوائحِ .

--> ( 1 ) النهي عن بيع السنين ، والأمر بوضع الجوائح ، ورد كل منهما في حديث خاص ، الأول عند مسلم عن جابر بن عبد الله : البيوع ، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة ، ح 1536 ، ورواه أيضاً : أبو داود والترمذي والنسائي ، وابن حبان . وحديث وضع الجوائح عن جابر أيضاً ، ورواه مسلم : كتاب المساقاة ، باب وضع الجوائح ، ح 1554 . وراجع التلخيص : ( 3 / 40 ح 1176 ، ص 71 ح 1222 ) . ( 2 ) في النسختين ( حمد ) . والصواب حميد ( مصغراً ) كذا في مسلم . ( 3 ) في الأصل : فنسيه . ( 4 ) ساقطة من ( ه‍ 2 ) .